نصر بن محمد السمرقندي الحنفي

5

تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )

عمرو عن أبي هريرة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال « رب صائم ليس له حظ من صومه إلا الجوع والعطش ، ورب قائم ليس له حظ من قيامه إلا السهر والنصب » يعني إذا لم يكن الصوم والصلاة لوجه اللّه تعالى فلا ثواب له كما روي عن بعض الحكماء أنه قال : مثل من يعمل الطاعات للرياء والسمعة كمثل رجل خرج إلى السوق وملأ كيسه حصاة فيقول الناس ما أملأ كيس هذا الرجل ولا منفعة له سوى مقالة الناس ولو أراد أن يشتري له شيئا لا يعطى به شيء ، كذلك الذي عمل للرياء والسمعة لا منفعة له من عمله سوى مقالة الناس ولا ثواب له في الآخرة كما قال اللّه تعالى وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً يعني الأعمال التي عملوها لغير وجه اللّه تعالى أبطلنا ثوابها وجعلناها كالهباء المنثور وهو الغبار الذي يرى في شعاع الشمس . وروى وكيع عن سفيان الثوري عمن سمع مجاهدا يقول : جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : يا رسول اللّه إني أتصدق بالصدقة فألتمس بها وجه اللّه تعالى وأحب أن يقال لي خير فنزلت هذه الآية فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ يعني من خاف المقام بين يدي اللّه تعالى ، ويقال من كان يريد ثواب اللّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً يعني خالصا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً وقال حكيم من الحكماء : من عمل سبعة دون سبعة لم ينتفع بما يعمل . أولها : أن يعمل بالخوف دون الحذر ، يعني يقول إني أخاف عذاب اللّه ولا يحذر من الذنوب فلا ينفعه ذلك القول شيئا . والثاني : أن يعمل بالرجاء دون الطلب ، يعني يقول إني أرجو ثواب اللّه تعالى ولا يطلبه بالأعمال الصالحة لم تنفعه مقالته شيئا . والثالث : بالنية دون القصد ، يعني ينوي بقلبه أن يعمل بالطاعات والخيرات ولا يقصد بنفسه لم تنفعه نيته شيئا . والرابع : بالدعاء دون الجهد ، يعني يدعو اللّه تعالى أن يوفقه للخير ولا يجتهد لم ينفعه دعاؤه شيئا . وينبغي له أن يجتهد ليوفقه اللّه تعالى كما قال اللّه تعالى وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ يعني الذين جاهدوا في طاعتنا وفي ديننا لنوفقنهم لذلك . والخامس : بالاستغفار دون الندم يعني يقول أستغفر اللّه ولا يندم على ما كان منه من الذنوب لم ينفعه الاستغفار يعني بغير الندامة . والسادس : بالعلانية دون السريرة ، يعني يصلح أموره في العلانية ولا يصلحها في السر لم تنفعه علانيته شيئا . والسابع : أن يعمل بالكد دون الإخلاص ، يعني يجتهد في الطاعات ولا تكون أعماله خالصة لوجه اللّه تعالى لم تنفعه أعماله بغير إخلاص ويكون ذلك اغترارا منه بنفسه ، وروى أبو هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « يخرج في آخر الزمان أقوام لاجتلاب الدنيا مثل الحلب » وفي نسخة أخرى « يجلبون » أي يأكلون الدنيا بالدين وفي أخرى « يجتلبون الدنيا » يعني يأخذونها فيلبسون لباس جلود الضأن في اللين ألسنتهم أحلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب يقول اللّه « أبي تغترّون أم علي تجترئون » الاجتراء أن يجعل نفسه شجاعا من غير تفكر ولا روية « فبي حلفت لأبعثن على أولئك فتنة تدع الحكيم العاقل فيها حيران » وروى وكيع عن سفيان عن حبيب عن أبي صالح قال « جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال يا رسول اللّه إني أعمل العمل فأسره فيطلع عليه فيعجبني ذلك ألي فيه أجر ؟ قال لك فيه أجران : أجر السر وأجر العلانية » .